• - الموافق2026/03/31م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الحشد الشعبي والمصير المحتوم

لم يعد الحشد الشعبي قوة محلية فحسب، بل أداة ضمن صراع إقليمي أوسع تقوده طهران. ومع التحولات الأخيرة وتعقيد المشهد الإقليمي وهشاشة الداخل العراقي، بات أمام مفترق طرق تحكمه سيناريوهات قد تعيد صياغة دوره ووظيفته مستقبلاً.


في الأيام الأخيرة تصدرت أخبار الحشد الشعبي العراقي في وكالات الأنباء، ليبرز اسمه من جديد في خضم مجموعة من التحولات الميدانية والسياسية المتسارعة، والتي وضعت هذه المؤسسة الشيعية في قلب الصراع الإقليمي المشتعل.

فمع اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى في نهاية فبراير الماضي، تجدد دور الحشد الشعبي كلاعب محوري في معادلة ما يمكن تسميته بأذرع إيران في المنطقة.

وتعرضت مقرات الحشد في عدة مناطق عراقية حيث تتركز قواته في الأنبار، وكركوك، وصلاح الدين لضربات جوية مكثفة، كان أبرزها الغارة التي أدت إلى مقتل قائد عمليات الحشد في الأنبار سعد دوحي وعدد من مرافقيه قبل أيام، مما أشعل موجة من التنديد الرسمي العراقي، والوعيد بالرد.

ولكن من هي الجهات التي استهدفت الحشد الشعبي، وما رده عليها؟

في الواقع، استهدفت كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الحشد، ولكن بأهداف وتكتيكات مختلفة:

فالهجمات الأمريكية غلبت عليها سمة الردع، فنجد مثل موجة 12 مارس الماضي قد شملت 32 ضربة على مقرات الحشد في بابل في جرف الصخر، والأنبار، وديالى. وكان هدف أمريكا المعلن هو شل القدرة على استهداف قواعدها، خاصة في عين الأسد وحرير. وغالبا ما تعلن أمريكا عن ضرباتها رسمياً، وتصنفها كرد فعل على هجمات المسيرات التي تنطلق من العراق.

أما ضربات الكيان الصهيوني فتأخذ سمت الاستراتيجية، فالغارات التي يقوم بها سلاح الجو الصهيوني يمكن اعتبارها جراحية حيث يتم استهداف مخازن الصواريخ الدقيقة ومنظومات المسيرات التابعة للفصائل المرتبطة بإيران داخل الحشد. كان أبرزها الاستهداف الأخير لمقر قيادة عمليات الأنبار في القائم.

ولكن ماذا كان رد فعل الحشد الشعبي؟

جاء تحرك الحشد وبكثافة متزايدة خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، في اتجاهين رئيسيين:

الأول، فتح جبهات مواجهة موازية، فقامت فصائل الحشد الشعبي بشن هجمات متكررة على أهداف أمريكية في العراق، خاصة في مناطق أربيل، والقائم، وحقول نفط البصرة، تزامناً مع الضربات التي تستهدف إيران.

الثاني، استهداف القواعد الأمريكية في الشرق السوري، فقامت فصائل ضمن الحشد (مثل كتائب حزب الله والنجباء) بتنفيذ ضربات بالمسيرات وصواريخ الأقصى-1، ضد قواعد التنف وحقل العمر داخل الأراضي السورية، رداً على الغارات الجوية التي تطال مقراتهم في العراق.

 

الحكومة العراقية التي يهيمن عليها الشيعة تحمي الحشد سياسياً لتجنب انهيار قاعدتها، لكنها تخشى من أن تؤدي أفعال الحشد إلى عزلة مالية أو عسكرية للعراق

فمنذ سقوط النظام السابق في دمشق في نهاية 2024، يرى الحشد في السلطة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع تهديداً لخطوط إمداده. لذا، شهدت منطقة البوكمال والميادين اشتباكات متقطعة وضربات استباقية من قبل الحشد لمنع تأمين الحدود من الجانب السوري بما يقطع جسر الإمداد الإقليمي.

ولكن قبل أن نعرج على مصير تدخل الحشد الشعبي في الصراع الحالي، لابد في البداية من إعطاء نبذة سريعة عن ميليشيات الحشد الشعبي.

الدور الطائفي المشبوه

هناك ثلاث محطات رئيسة لفهم الدور التي تقوم به تلك الميليشيات الشيعية الطائفية في العراق:

المحطة الأولى: تقاطع المصالح المباشر

فبعد الغزو الأمريكي عام 2003، التقت مصلحة أمريكا وإيران على إسقاط نظام صدام حسين وتأسيس نظام سياسي جديد تقوده أغلبية شيعية، حيث انخرطت الفصائل المدعومة إيرانياً (مثل منظمة بدر) في أجهزة الدولة والعملية السياسية التي رعتها أمريكا، وساهمت هذه الأجهزة في قمع الفصائل السنية المسلحة (التي حملت لواء المقاومة ضد الاحتلال)، مما كرس تقاسماً ضمنياً للنفوذ: واشنطن تدير المشهد سياسياً واقتصادياً، وطهران تتغلغل أمنياً ومجتمعياً.

المحطة الثانية، مرحلة داعش

كان التعاون الأوضح، قد حدث بين عامي 2014 و2017. حينها شكلت فصائل الحشد قوة المشاة البرية المدعومة والموجهة من الحرس الثوري الإيراني، بينما وفرت الولايات المتحدة الغطاء الجوي الاستراتيجي.

والحقيقة أن هذا التحالف كان ضرورياً للطرفين للقضاء على عدو مشترك (داعش)، مما منح الحشد شرعية قانونية وشعبية غير مسبوقة تحت مظلة الدولة العراقية.

المحطة الثالثة الصدام وحرب الوكالة

بمجرد هزيمة داعش وتراجع التهديد الوجودي، سعت إيران لامتلاك العراق وحدها دون أمريكا، واستخدام الحشد كأداة ضغط استراتيجية لطرد القوات الأمريكية المتبقية وتأمين خطوط إمدادها الإقليمية، في حين رأت امريكا في الفصائل الشيعية ذراعاً إيرانياً يهدد مصالحها. وانفجر هذا التوتر بسلسلة ضربات متبادلة (أبرزها اغتيال سليماني عام 2020)، ليتحول العراق من ساحة تقاسم نفوذ هادئ، إلى مسرح صدام مباشر ومفتوح لتصفية الحسابات الجيوسياسية.

نرجع الى سؤالنا الرئيسي، ففي خضم استهداف الحشد الشيعي أو الشعبي، ما مصير هذا الميليشيات؟ وما مستقبل دورها القادم؟

الفاعل الهجين

تعتمد مراكز الأبحاث (مثل "راند" أو "معهد واشنطن") أداة تطلق عليها الفاعل الهجين.

هذه الأداة تمكنا من فهم أكبر للحركات التي تملك مقاعد في البرلمان وميزانية من الدولة، لكنها تمتلك أيضاً أجندة وسلاحاً مستقلاً.

ينطلق هذا المقترب من فكرة أن ثنائية دولة/لا دولة، لم تعد كافية لفهم الشرق الأوسط.

الفاعل الهجين هو تنظيم يمتلك قدماً في الداخل مثل الشرعية القانونية والموارد الحكومية، وقدماً في الخارج، مثل الأيديولوجيا العابرة للحدود، والتحالفات الإقليمية، والعمل المسلح المستقل.

ويستخدم هذا الاقتراب عدة أدوات:

١- الشرعية المزدوجة، وهو الجمع بين شرعية القانون (مرسوم الدولة) وشرعية المقاومة.

٢- الاستقلالية الاستراتيجية، وهي قدرة الفاعل على اتخاذ قرار الحرب والسلم بمعزل عن القائد العام للقوات المسلحة.

٣- الاندماج المؤسسي القلق، ونعني به قياس مدى تغلغل الفاعل في مفاصل الدولة الرسمية مقابل الحفاظ على هيكلية القيادة الخاصة به.

٤- الرعاية الخارجية والارتباط الإقليمي، وهو دور الحليف الخارجي في توجيه بوصلة الفاعل وتوفير الغطاء له.

إذا طبقنا تلك الأدوات الأربع على حالة الحشد الشعبي في مواجهة ضربات التحالف الأمريكي الصهيوني ضده نجد الآتي:

أولا، أن هذا الاستهداف الخارجي أصبح معززا لشرعية تلك الميليشيات الطائفية.

فالضربات الأمريكية الصهيونية تعمل كوقود سياسي. والحشد يستخدم هذه الهجمات لتعزيز شرعية مقاومته المزعومة أمام جمهوره، مما يُصعّب على القوى السياسية أو العشائر المطالبة بحله أو دمجه بالكامل، لأن ذلك سيُفسر على أنه استسلام للعدو.

ثانيا، هناك توتر ما بين الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة، والحشد، لذلك تجيء البيانات الرسمية في محاولة للتوفيق بين هذين المنطقين المتناقضين.

ولكن الحكومة العراقية التي يهيمن عليها الشيعة تحمي الحشد سياسياً لتجنب انهيار قاعدتها، لكنها تخشى من أن تؤدي أفعال الحشد إلى عزلة مالية أو عسكرية للعراق.

لذلك يبدو أن هناك ما يطلق عليه توزيع للأدوار بين الفريقين، فالحكومة تستنكر الضربات لتثبيت السيادة، والفصائل تضرب للضغط على أمريكا، والعملية كلها منسقة.

مصير الحشد الشعبي

التحليل بهذا المقترب يشير إلى عدة سيناريوهات:

السيناريو الأول، تصاعد دور الحشد:

هذا السيناريو يتصور أن مصير الحشد بعد هذه التوترات ليس الزوال ولا الاندماج الكلي، بل هو الانتقال إلى حالة أقرب للحرس الحرس الثوري الايراني. أي مؤسسة عسكرية موازية تمتلك غطاءً قانونياً دائماً، له قدرة على المناورة السياسية تمنع أي رئيس وزراء من تجريدها من سلاحها، خاصة أن التقارير الاقتصادية والتي صدرت هذا العام تشير إلى توغل الهيئة في قطاعات الاتصالات، والمقاولات، والمصارف، فالحشد لم يعد مجرد بندقية، بل أصبح صاحب عمل لآلاف العائلات، مما يجعل حله انتحاراً اقتصادياً لأي حكومة.

السيناريو الثاني، هو الدمج الكلي:

في هذا المسار، لا يتم دمج هيئة الحشد ككتلة واحدة داخل الجيش كما هو الحادث الآن، بل يتم تفكيك الهيكل التنظيمي للحشد وتحويله إلى برنامج دمج فردي، يشمل نقل المقاتلين (بعد تدقيق أمني) كأفراد وضباط إلى وزارة الدفاع أو الداخلية، بحيث يخضعون لقانون الخدمة العسكرية الصارم والتراتبية التقليدية.

كما يتضمن إحالة القادة العقائديين، وكبار السن إلى التقاعد لإنهاء تأثير الرؤوس السياسية على المقاتلين، ومنع أي نشاط سياسي أو اقتصادي لفصائل الحشد.

السيناريو الثالث، الصدام الإقليمي:

وفي هذا السيناريو سيتدخل الجوار السوري لدعم انتفاضة سنية ضد الحشد.

هذا المسار يفترض انشغال طهران بأزماتها الداخلية، مما يغري دمشق لإنهاء نفوذ الفصائل عسكرياً لتغيير خارطة المشرق للأبد.

وسيضع هذا الصدام حكومة العراق أمام خيارين مرّين: إما الانخراط في حرب إقليمية لحماية الحشد، أو التخلي عنه مقابل الحفاظ على بقاء الدولة.

والنتيجة النهائية هي بتر الامتداد الإقليمي للحشد، وتحوله لقوة محلية محاصرة تخسر تدريجياً شرعيتها الدولية وقدرتها على المناورة.

وتدخل سوريا هنا لا يهدف للاحتلال، بل لكسر محور الهلال الشيعي، وقد ينتهي الأمر بفرض منطقة عازلة في الأنبار ونينوى تحت حماية سورية-دولية، مما يقلص جغرافيا سيطرة الحشد للجنوب فقط.

وإذا تأملنا للسيناريوهات الثلاثة، نجد أنها أقلها حظوظا هو السيناريو الأول والذي يقول بازدياد نفوذ الحشد، ويتبقى السيناريو الثاني والثالث، فمصير الحشد في كل من السيناريوهين يتذبذب بين الإنهاء الكامل وحل فصائله ودمجه في الجيش العراقي، وبين أن ينحصر دوره في الجنوب العراقي، والتي يتركز فيه الشيعة نتيجة تدخل الجيش السوري بمساندة إقليمية وربما دولية لاستعادة دور أهل السنة في العراق مرة أخرى.

أعلى