• - الموافق2026/03/25م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
القدس في قلب الرسالة

من عام الحزن إلى الإسراء والمعراج وتحويل القبلة، تتكشف معاني الاستخلاف والهوية والميثاق الرباني الذي يربط المسلمين ببيت المقدس عبر التاريخ.


مرّت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرحلةٌ من أشدّ مراحل حياته قسوةً وألمًا؛ فبعدما هُجّر إلى الشِّعب هو وبنو هاشم، وفي أجواء الحصار الخانق، فقد السند والأنس بوفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، ثم ما لبث أن فقد عمَّه أبا طالب بعد انتهاء الحصار، فاجتمعت عليه أحزانٌ متتالية، حتى سُمِّي ذلك العام بعام الحزن. وفي خضم هذه المحنة، جاءت حادثة الإسراء والمعراج، لا بوصفها حدثًا خارقًا فحسب، بل بوصفها مواساة ربانية، وتثبيتًا إلهيًا لنبيّه صلى الله عليه وسلم، تحمل في طياتها من العِبر والدروس والحِكم ما علمناه، وما لا يزال خفيًّا عنا لحكمةٍ بالغة.

لقد أراد الله تعالى أن يُهيّئ نبيّه لمرحلة جديدة، مرحلةٍ تختلف في طبيعتها وتحدياتها، تمهيدًا للهجرة، واستعدادًا لمواجهة أعداء الدعوة، فجاء الإسراء إلى المسجد الأقصى، تلك البقعة المباركة، مهبط الوحي وموئل الأنبياء. وهناك جمع الله الأنبياء، فصلّى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إمامًا، في مشهدٍ عظيمٍ يحمل دلالاتٍ عميقة، رغم الخلاف في كون الجمع كان للأجساد أم للأرواح، إلا أن أصل الحادثة ثابت، وهي تكريمٌ عظيمٌ للنبي الكريم.

ومن هنا بدأ الارتباط الوثيق بين القدس ورسالة الإسلام، إذ إن إمامة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في بيت المقدس دليلٌ واضح على استخلافه واستخلاف أمته على هذه البقعة، وحملهم أمانة الرسالة الخاتمة.

وتتجلى مكانة القدس في أبعاد متعددة؛ فهي أولًا ذات أهمية جغرافية، إذ تُعد من أقرب البقاع المقدسة إلى مكة المكرمة بعد مدينة رسول الله، وثانيًا ذات أهمية دينية، فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين. ومن تأمل هذا المشهد صلاة النبي بالأنبياء أدرك أنه إعلانٌ ربانيٌّ عن انتقال القيادة الروحية، واستخلاف هذه الأمة على إرث النبوات، إذ إن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين.

وهذا الحدث ليس مجرد واقعة تاريخية، بل هو عقدٌ سماويٌّ وربطٌ إلهي بين هذه الأمة وهذه الأرض المباركة، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وهذه الخيرية لم تكن وصفًا مجردًا، بل تكليفًا يقتضي القيام بواجب الاستخلاف، كما في تتمة الآية: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فغدت الأمة أمينةً على هذه البقعة، مرتبطة بها عقديًا ومعنويًا. كما أن العروج من هذه الأرض المباركة جعلها جزءًا من أساس العقيدة الإسلامية، حتى إن تكذيب حادثة الإسراء والمعراج يُعد تكذيبًا للرسالة، لقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.

وحين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قومه بما رأى، كذّبه المشركون، غير أنه أقام عليهم من الأدلة ما يثبت صدقه، وفي هذا السياق تثبت قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حين جاءه المشركون يخبرونه أن النبي يزعم أنه أُسري به إلى بيت المقدس وعاد في ليلة، فقال كلمته الخالد:(لئن كان قال ذلك لقد صدق)، ثم قال: (إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء) فاستحق بذلك لقب "الصديق"، في موقف يجسد أعلى درجات الإيمان والتصديق.

ثم جاء الأمر بالهجرة، وكان الإسراء والمعراج بمثابة إعدادٍ نفسي وروحي لهذه المرحلة، كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم. فهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وأقام فيها قرابة ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا.

وكان قبل الهجرة يصلي متجهًا إلى بيت المقدس، مع جعل الكعبة بينه وبينه، حبًا بالكعبة المشرفة، فلما استقر في المدينة، كان يرفع بصره إلى السماء، يتطلع إلى تحويل القبلة إلى الكعبة، حتى نزل الوحي بالبشرى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، فكان ذلك أول نسخٍ في الأحكام، وقد أكدته ثلاث آيات من القرآن الكريم. وجاء الرد الإلهي على المعترضين قبل أن يتكلموا، فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، في إشارة إلى ما سيُثار من جدلٍ واعتراض.

ولما كانت هذه الأمة مرحومة، ونبيها خاتم الأنبياء، أكرمه الله بأن جعل قبلته قبلة إبراهيم عليه السلام، فكان في ذلك تحقيقٌ للأمنية، وربطٌ بالامتداد الإبراهيمي.

وقد روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين".

إن تحويل القبلة يحمل في طياته ميثاقًا ثلاثي الأبعاد: فهو تكريم للنبي صلى الله عليه وسلم، وميثاق طاعة بين الأمة وربها، وميثاق وحدة يجمع أفراد الأمة على وجهة واحدة.

لقد حوّل الله تطلعات نبيه إلى تشريعٍ خالد، وجعل من هذا التشريع محورًا للهوية، ومن الهوية قوةً دافعة للانتشار في الأرض. فالتوجه إلى القبلة ليس مجرد حركةٍ في الصلاة، بل هو تجديدٌ للعهد مع الله، والتزامٌ بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، وانتماءٌ لأمةٍ واحدة توحدها القبلة وتجمعها.

اللهم حرر المسجد الأقصى من دنس أحفاد القردة والخنازير، اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمام الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

أعلى