• - الموافق2026/03/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
حماس وفرص السيطرة والمرونة مع التحوُّلات الإقليمية

كيف نجحت حركة حماس في إعادة ترتيب قياداتها العسكرية والسياسية بعد حرب طويلة استنزفت قدراتها، وهل سيُمكّنها هذا الصمود من مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية المقبلة، مع الحفاظ على سيطرتها على غزة وسط تحولات استراتيجية بالشرق الأوسط؟


تُواجه حركة حماس في قطاع غزة مرحلةً حرجةً بعد حرب طويلة استمرت لأكثر من عامين، خلَّفت آثارًا كبيرة على بِنيتها العسكرية والإدارية وأفقدتها عددًا كبيرًا من قادتها في المجلس العسكري والسياسي، ما دفَع الحركة إلى تبنّي سياسة صمود مدروسة تجمع بين إدارة الداخل وموازنة المؤثرات الخارجية، مع الحفاظ على سيادتها العسكرية والإدارية في القطاع.

وتسعى الحركة إلى استغلال وقف إطلاق النار الحالي لترميم تبعات المرحلة السابقة بما يشمل البنية البشرية والتنظيمية، وتعويض الخسائر التي لحقت بالصفوف القيادية الوسطى والميدانية، وإعادة ترتيب الأجهزة التنفيذية والأمنية بما يضمن استمرار عمل مؤسساتها المدنية والإدارية بكفاءة. ويُمثّل هذا التوجُّه إستراتيجية استباقية تهدف إلى مواجهة أيّ ضغوط دولية محتملة، خصوصًا في ضوء محاولات مجلس السلام برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدويل إدارة غزة، أو فرض ترتيبات بديلة تُقلِّص من نفوذ الحركة بتوصيات صهيونية.

وينقسم تحرُّك الحركة في الوضع الراهن إلى عنصرين؛ الأول يركّز على شَغْل المناصب القيادية في المجال العسكري والأمني في القطاع، وعلى صعيد المؤسسات الحكومية. أما  الثاني فيركّز على الجانب السياسي؛ حيث تتّجه الحركة إلى تعيين شخصيات تمثل رؤية سياسية أكثر مرونة في المرحلة المقبلة؛ بحيث يمكنها مجاراة الوضع الراهن، وإبعاد الشخصيات التي قد تثير حالة من الصدام مع الخارج، ويقود هذا الملف خليل الحية وخالد مشعل أبرز المتنافسين في هذا الجانب، لا سيما عقب إضعاف محور إيران بعد اغتيال إسماعيل هنية على أراضيها، ورحيل جميع عناصر مكتب الحركة من طهران.

تعتمد الحركة حاليًّا سياسة إدارة الوقت بذكاء، عبر امتصاص أيّ تصعيد عسكري محتمل وتجنُّب الانخراط في مواجهات واسعة، مع مراقبة المتغيرات الإقليمية والدولية المؤثرة، بما في ذلك نتائج الحرب الإيرانية - الصهيونية، والتي قد تُعيد ترتيب أولويات الأمن الصهيوني وتفتح هامشًا أكبر للمناورة أمام الحركة.

كما تضع قيادة الحركة في حساباتها الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في أكتوبر المقبل؛ حيث ستُحدّد نتائجها مستوى الدعم السياسي والإستراتيجي للدولة العبرية، وخصوصًا لقرارات رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، وفي حال خسارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، سيفقد نتنياهو أحد أبرز داعميه الخارجيين، ما قد ينعكس على السياسات الصهيونية تجاه غزة وحركة حماس. بالإضافة إلى ذلك، تُعتبر احتمالات إجراء انتخابات صهيونية جديدة في أكتوبر المقبل عاملًا مؤثرًا على المشهد السياسي، وقد يؤدي إلى تغييرات في السياسات العسكرية والأمنية تجاه القطاع.

على الصعيد الداخلي، شرعت الحركة في إعادة هيكلة أجهزتها التنفيذية والأمنية، مع الدفع بجيل جديد من القادة الميدانيين الذين برزوا خلال الحرب لتعويض الخسائر وتعزيز القدرة التنظيمية.

وقد نجحت الحركة في استباق ترتيبات بديلة لإدارة القطاع، بما في ذلك تشكيل لجنة وطنية تم طرحها تحت ضغوط أمريكية - مصرية، وهو ما مكَّن حماس من الحفاظ على السيطرة السياسية والإدارية في غزة.

كما اتخذت القيادة خطوات لتجميد وتهميش شخصيات بارزة مرتبطة بملف غزة نتيجة تقييم أدائها أو عدم توافقها مع التوجُّه الإستراتيجي الحالي، وهو ما يعكس رغبة الحركة في تعزيز الانضباط التنظيمي، وإفساح المجال أمام الجيل الجديد الذي يتماشى مع أهداف المرحلة المقبلة.

على الصعيد الخارجي، تحاول الحركة إعادة تموضعها ضمن شبكة تحالفاتها الإقليمية، مع التركيز على حلفائها في قطر وتركيا بعد تقليص وجودها في إيران، بعد اغتيال رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية، وخروج كوادرها من الأراضي الإيرانية.

وتسعى الحركة من خلال هذا التموقع إلى مجاراة مسار سياسي حذر يَحُد من احتمال التصعيد العسكري، مع الاستفادة من الدعم المالي والسياسي لحلفائها الإقليميين، وتقليل أيّ ضغوط خارجية قد تؤثر على قدرتها على إدارة غزة، خصوصًا في ظل هيمنة التيارات اليمينية الصهيونية والدعم الإنجيلي الأمريكي لقرارات نتنياهو.

يضع المجلس العسكري الجديد في قطاع غزة مجموعة من المرتكزات لسياسة الحركة التفاوضية؛ أبرزها: رفض أيّ نزع للسلاح أو التخلّي عن السيادة الإدارية في قطاع غزة، مع إبقاء السلطة الفلسطينية وأيّ طرف خارجي بعيدًا عن التأثير على ملفات الإدارة، إضافة إلى الرفض المطلق لإبعاد أيّ عنصر من عناصر الحركة خارج القطاع، وعدم الاعتراف بالميليشيات المسلحة التي شكَّلتها الدولة العبرية بالتعاون مع المخابرات الفلسطينية؛ تمهيدًا لدمجها في البنية الأمنية المستقبلية للقطاع تحت مظلة مجلس السلام العالمي.

وتعكس هذه الثوابت إستراتيجية انتظار نشطة، تقوم على تجميد الملف السياسي الداخلي وتركه في حالة جمود مُؤقَّت، مع متابعة المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة واعتبارها جزءًا من الرهان السياسي لنتيجة الحراك الأمريكي الصهيوني في قطاع غزة.

استنادًا إلى المعطيات السابقة، يمكن تصوُّر عدة سيناريوهات مستقبلية للحركة؛ أولها استمرار حماس كقوة حاكمة بصيغة مَرِنة في غزة مع تعزيز دور القيادة الخارجية والسياسية وتخفيف المواجهة العسكرية. وثانيها تحوُّل الحركة إلى قوة مقاومة مع إدارة مدنية مستقلة للقطاع، حيث تظل قوة عسكرية وتنظيمية مع بقاء إدارة غزة بيد مؤسسات فلسطينية أو دولية. وثالثها إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني عبر دمج حماس في منظمة التحرير أو حكومة وحدة، مع بقاء وجودها العسكري كأداة ردع ضمن تحالف سياسي أوسع، لا سيما بالتزامن مع الضغط الأمني الذي تتعرض له الضفة المحتلة والتهديدات الأخيرة الصادرة عن نير بركات أحد أبرز نشطاء اليمين السياسي الصهيوني الذي صرَّح بأن المرحلة المقبلة ستكون إنهاء السلطة الفلسطينية.

بناءً على الوضع الراهن الذي تمرّ به الحركة؛ يمكن إدراك الخيارات المستقبلية لها كونها جزءًا من المتغيرات المستقبلية الراهنة في المنطقة، لا سيما بعد صمودها في مواجهة آلة الحرب الصهيونية وقدرتها على إجبار الدولة العبرية على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وعدم تقديم أيّ تنازلات أمام ضغوط إقليمية وأمريكية كبيرة.

ما سبق يؤكد أن الحركة أصبحت بصورة أو بأخرى جزءًا من محور يتشكل لمواجهة التوسع الصهيوني في المنطقة على حساب الأمن القومي العربي، لا سيما بعد الاتفاقيات الثنائية التي تم توقيعها بين تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية التي تُعدّ مؤشرًا على إدراك ما يجري من تحركات إيرانية صهيونية تهدف إلى استنزاف المنطقة وإخضاعها لمشروع الفوضى الخلاقة الذي يتم برعاية أمريكية، ويستهدف بصورة كبيرة أمن الكتلة السنية في الشرق الأوسط.

 

أعلى