• - الموافق2026/03/04م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
فضل قيام رمضان

هل ندرك حقاً قيمة ليالي رمضان كما أدركها النبي وصحابته، حين كانوا يحيونها قياماً ودموعاً واعتكافاً طلباً لليلةٍ خيرٍ من ألف شهر، أم أننا نمر بها مرور العابرين فنخسر مغفرةً قد لا تتكرر في أعمارنا مرةً أخرى؟


الحمد لله الذي جعل معرفته أسمى المعارف، وجعل عبوديته أشرف المنازل، وجعل رضاه أسنى المطالب، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وفق عبادا له للطاعات، والمسابقة في الخيرات، واكتساب الحسنات؛ فكان عملهم مبرورا، وسعيهم مشكورا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ كان يقوم من الليل قياما طويلا، يناجي ربه سبحانه وتعالى، ويتلو كتابه، ويسأله من فضله، ويعوذ به من سخطه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واستثمروا هذه الليالي في الصلاة والدعاء والذكر والخشوع؛ فإن رمضان فرصة عظيمة لمن أدركه، وخسارة فادحة على من ضيعه، وإن هذه الليالي هي ليالي المسارعة في الخيرات، والسبق إلى الجنات ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21].

أيها الناس: من خصائص رمضان التي اختص بها عن باقي الشهور مشروعية قيام الليل فيه جماعة في المساجد، وهو صلاة التراويح. صلاها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال، ثم تركها خشية أن تفرض على أمته فيعجز كثير منهم عن أدائها؛ ولما اجتمعوا في مسجده صلى الله عليه وسلم رابع ليلة لم يخرج إليهم، «فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا» رواه الشيخان.

وقيام الليل فضله عظيم، وأجره كبير؛ ولذا أُمر به النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 1-4]، وأُمر بالتهجد بالقرآن ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، وأثنى الله سبحانه وتعالى على عباد الرحمن، وذكر أوصافهم، ومنها ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64]، وبين سبحانه أن المتهجدين أهل علم وفضل؛ فحازوا فضل التهجد بالقرآن والناس نيام، وعلموا حقيقة الدنيا والآخرة، فلم تلههم دنياهم عن العمل لآخرتهم ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]، وأخبر سبحانه أن أهل صلاة الليل يبارحون فرشهم في سبيل مرضاة ربهم، ووعدهم بالجزاء العظيم ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 16-17]، وفي آيات أخرى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 15-19].

وأفضل نوافل الصلاة صلاة الليل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» رواه مسلم. فكيف إذا كان ذلك في أفضل الليالي، وهي ليالي رمضان؛ فاجتمع فيه فضل الزمان، مع فضل العبادة، ويا له من فضل عظيم.

وفي صلاة ثلث الليل الآخر والدعاء فيه والاستغفار فضل زائد على أول الليل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» رواه الشيخان. فكيف إذا كان الداعي والسائل والمستغفر في ليالي رمضان المبارك؟ وكيف إذا كان في أشرف عبادة وهي الصلاة؟! فحري أن يجاب ويعطى ويغفر له. 

إن قيام رمضان ليس كقيام غيره من الشهور؛ حيث الفضل والجماعة والجهر بالقرآن في المساجد؛ ولذا جاء في صلاته فضل يختص به رمضان دون غيره، وهو مغفرة ما تقدم من الذنوب؛ كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رواه الشيخان. فإذا قام ليالي رمضان موقنا بأن الله تعالى شرع قيامه، ورتب عليه ما يستحق من الأجر، وكان قيامه خالصا لله تعالى، لا لأجل الناس ولا لغرض دنيوي، وإنما يحتسب الأجر من الله تعالى، بحيث لو كان في أرض ليس فيها غيره لقام رمضان؛ فإنه يغفر له ما تقدم من ذنبه بذلك القيام.

ومن فضائل قيام رمضان: أن من صلى مع الإمام حتى ينتهي من صلاته كتب له قيام ليلة، مع أنه ربما صلى قليلا من الليل، ساعة أو أقل منها؛ كما جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ اللَّيْلَةِ» رواه أهل السنن.

ومن فضائل قيام رمضان ما جاء في حديث عَمْرَو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ مِنْ قُضَاعَةَ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَصَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَصُمْتُ الشَّهْرَ، وَقُمْتُ رَمَضَانَ، وَآتَيْتُ الزَّكَاةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» صححه ابن خزيمة وابن حبان.

فإذا كان هذا الفضل العظيم في قيام الليل عموما، ثم كان لقيام رمضان فضل خاص؛ فمن أعظم الحرمان، وأشد الخسران؛ أن يُفوت المؤمن على نفسه هذا الفضل العظيم، فلا يحافظ على صلاة التراويح، أو يصلي جزء منها ثم ينصرف قبل انصراف إمام مسجده، أو يأتي إليها متباطئا متأخرا قد فاتته الفريضة، فيصليها ثم يدرك ما أدرك من التراويح، والحريص من لا تفوته تكبيرة الإحرام في الفرائض وفي التراويح طيلة رمضان.

ومن الناس من يبحث عمن يخفف صلاة التراويح، وتراهم يتسابقون على المسجد الذي يخففها جدا، فيزدحم المسجد بهم، وربما تبارى بعض أئمة المساجد في شدة التخفيف؛ ليجمع الناس عنده، ثم يخرجون منها إلى لهو ولعب ومجالس قيل وقال. وكل ذلك من الحرمان. إن من استحضر فضائل قيام رمضان، واستشعر فضيلة الزمان، وتذكر أنه قد لا يعيش إلى رمضان القابل؛ جد واجتهد، وحافظ على التراويح، ولم يتذمر من طولها إن طالت؛ لأن إطالة الصلاة فيها زيادة قرآن وتسبيح وذكر ودعاء، وأجرها أكثر من أجر من خففها. عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: «أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، قَالَ: فكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ، حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَاّ فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ» رواه الإمام مالك.

نسأل الله تعالى أن يقوينا في هذه الليالي على ما يرضيه، وأن يجنبنا ما يسخطه، وأن يتقبل منا ومن المسلمين، إنه سميع مجيب.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [البقرة: 281].

أيها المسلمون: قيام ليالي رمضان أفضل من قيام غيرها، وأفضله قيام عشرها الأخيرة؛ لأنها فضلت بليلة القدر التي أُنزل فيها القرآن، وهي خير من ألف شهر، فمن قامها وقبل منه فهو خير ممن قام ثلاثين ألف ليلة. ويدركها العبد إذا صدق مع الله تعالى في تحريها وطلبها، وينال بركتها وأجرها إذا أخلص لله تعالى فيها، فمن يا ترى يفرط في ليلة هذا شأنها وفضلها وبركتها؟ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 3-4]، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 1-5]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رواه الشيخان. وكان النبي يعتكف العشر الأواخر من رمضان يلتمس هذه الليلة المباركة؛ كما في حديث  أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ الْأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي وِتْرٍ...» رواه الشيخان.

وكان صلى الله عليه وسلم شديد الاجتهاد في الطاعة إذا دخلت العشر؛ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ».

فجدوا فيما بقي من رمضان واجتهدوا، وتحروا ليلة القدر؛ فإن الآجال تكتب فيها، والأرزاق توزع فيها. الزموا المساجد، ولا ترفعوا أبصاركم عن المصاحف، وأمضوا ليالي العشر مصلين داعين مستغفرين ذاكرين، مخلصين لله تعالى، ترجون ثوابه، وتخافون عقابه، وتعبدونه حق عبادته.

وصلوا وسلموا على نبيكم...

أعلى