البيان/متابعات: يشهد المشهد اللبناني في الأسابيع الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حجم ونوعية الانخراط العسكري الذي تنفذه الدولة العبرية داخل جنوب لبنان، في تحول يعكس انتقال القيادة الصهيونية من سياسة الردود المحسوبة إلى تبني نهج العمليات البرية العميقة. ويبدو أن هذا المسار يأتي في إطار محاولة واضحة لإعادة تشكيل الواقع الأمني على الحدود الشمالية وفرض معادلات جديدة قبل الدخول في أي تسوية سياسية محتملة. وتُجمع مصادر مطلعة على أن التوقيت ليس عشوائيًا، بل يرتبط مباشرة باندفاعة صهيونية لاستثمار المشهد الإقليمي المعقّد، خاصة في ظل انشغال الأطراف الكبرى بإدارة ملفات متعددة من الخليج إلى المتوسط.
ميدانيًا، تشير أحدث التقارير الصحفية إلى أن القوات الصهيونية واصلت خلال الأيام الماضية توسيع رقعة التوغل داخل الجنوب، متقدمة في بعض القطاعات إلى عمق يقترب من ثمانية كيلومترات، مع محاولات للتمدد في نقاط محددة قد تصل إلى عشرين كيلومترًا في حال تهيأت الظروف العملياتية لذلك. وقد رافق هذا التوغل تعزيزات كبيرة شملت وحدات مدرعة وقوات هندسية عملت على فتح محاور جديدة داخل مناطق وعرة، إضافة إلى إنشاء تحصينات إسمنتية متقدمة ومواضع إطلاق ورصد تُعدّ امتدادًا عمليًا لمنطقة عازلة غير معلنة. وفي السياق نفسه، تمكنت القوات الصهيونية من تثبيت وجود فعلي في ثماني عشرة نقطة إستراتيجية مشرفة على محاور رئيسية، تمنحها قدرة على التحكم بالحركة جنوب الليطاني وخلق طوق ناري حول بعض القرى والمرتفعات.
الحشود الصهيونية رافقها تصعيد لافت في وتيرة القصف الجوي والمدفعي، حيث شهدت الساعات الأخيرة استهدافًا مكثفًا لمحيط بنت جبيل ومارون الراس والطيبة، فضلًا عن ضربات طالت عمق الجنوب باتجاه النبطية والدوير. وتحدثت مصادر ميدانية عن استخدام موسع للذخائر الموجهة بغية تدمير مخازن ومنشآت يشتبه الصهاينة بأنها تحتوي على أسلحة دقيقة أو منصات إطلاق. وفي المقابل، نفذت المقاومة عمليات استهداف نوعية طالت آليات صهيونية متقدمة، وأكدت مصادر ميدانية إسقاط طائرة استطلاع مسيّرة حديثة الصنع كانت تنفذ مهمة مراقبة على مستوى منخفض، في مؤشر على ارتفاع درجة الاحتكاك المباشر.
سياسيًا، تواصل الدولة العبرية تبني مقاربة تهدف إلى فصل جبهة لبنان بالكامل عن الجبهات الإقليمية الأخرى، في مسعى واضح لتأمين هامش مناورة يسمح لها بإطالة أمد العمليات البرية حتى في حال تم التوصل إلى تفاهمات أو ترتيبات تخص ساحات أخرى. وتشير تقييمات دبلوماسية إلى أن القيادة الصهيونية تحاول جاهدة خلق بيئة سياسية تبرر استمرار الوجود الميداني داخل الجنوب، عبر الترويج لضرورة “إبعاد التهديدات” وتأمين عمق أمني يتجاوز مدى الصواريخ المضادة للدروع التي تصل إلى ثمانية كيلومترات، وهو المدى الذي تستند إليه الحجة الصهيونية في محاولة تثبيت واقع ميداني جديد.
من جانبها، يواصل حزب الله اعتماد استراتيجية الاستنزاف المدروس، مستفيداً من جغرافيا الجنوب الصعبة ومن قدرة عناصره على التحرك ضمن خطوط دفاع متعددة. وقد نفذت في الساعات الماضية سلسلة عمليات استهداف للصهاينة في محيط المحاور المستحدثة، بينها ضربات موجهة نحو تجمعات عسكرية قرب عيتا الشعب وتلة العويشة، إضافة إلى قصف منصات مدفعية صهيونية على الجانب الآخر من الحدود. وتزامن ذلك مع ارتفاع أصوات داخل الكيان الصهيوني تشكك بجدوى العمليات البرية الحالية، خصوصًا بعد تسجيل إصابات بين القوات المتقدمة ووقوع خسائر في العتاد. فقد أكدت مصادر عسكرية مطلعة سقوط ما لا يقل عن سبعة قتلى صهاينة في عمليات متفرقة طالت آليات مدرعة ودوريات راجلة، بينهم ضابط برتبة متقدمة قُتل بعد استهداف تجمع صهيوني قرب محور عيتا الشعب، إضافة إلى إصابة أكثر من اثني عشر جنديًا صهيونيًا بجروح تفاوتت بين المتوسطة والحرجة إثر ضربات مركّزة على نقطة ميدانية حديثة أقامها الصهاينة عند أحد المرتفعات المشرفة. وتحدثت مصادر إعلامية داخل الكيان عن نقل عدد من المصابين عبر المروحيات إلى مستشفيات الشمال في ظل تكتم رسمي حول حجم الخسائر الفعلية.
في هذا السياق، يمكن استشرفا تخطيط صهيوني لمرحلة طويلة نسبيًا من عدم الاستقرار، مع احتمال توسع رقعة الاشتباك إذا قررت الدولة العبرية ترسيخ وجود ثابت جنوب الليطاني أو في حال ارتفعت خسائرها البشرية في النقاط المتقدمة. وعلى الرغم من الضغوط الدولية التي تسعى لمنع انفجار الوضع إلى مواجهة أكثر شمولًا، إلا أن التطورات المتسارعة توحي بأن الأطراف كافة تستثمر الظرف الراهن لتعزيز مواقعها وتحسين شروطها قبل أي تسوية محتملة.