البيان/القدس: تزداد أهمية أذربيجان الاستراتيجية في ظل الصراع الإقليمي المتصاعد المحيط بـإيران، ولا سيما مع تصاعد المواجهات العسكرية منذ نهاية فبراير الماضي. وتنبع هذه الأهمية من تداخل العوامل الجغرافية والسياسية والقومية التي تجعل من العاصمة باكو لاعباً مؤثراً في الحسابات الأمنية الإيرانية.
جغرافياً، تشترك أذربيجان مع إيران في حدود برية طويلة تمتد لنحو 765 كيلومتراً، ما يمنحها موقعاً حساساً يتيح مراقبة التحركات العسكرية في شمال إيران. ويجعل هذا القرب الجغرافي مناطق إيرانية استراتيجية تحت أنظار باكو، الأمر الذي يثير قلقاً مستمراً لدى المؤسسات الأمنية الإيرانية.
سياسياً، تمثل العلاقات الوثيقة بين أذربيجان و الدولة العبرية أحد أبرز مصادر التوتر في العلاقة مع طهران. وتتهم دوائر إيرانية تل أبيب باستخدام الأراضي الأذربيجانية كمنصة استخباراتية لمراقبة الداخل الإيراني، في ظل تنامي التعاون الأمني والعسكري بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة.
وفي محاولة لاحتواء التوتر، قدمت السلطات الأذربيجانية تطمينات لإيران في يونيو 2025 بأنها لن تسمح باستخدام أراضيها منطلقاً لأي عمليات عسكرية ضدها. إلا أن هذه الضمانات لم تنجح في إزالة الشكوك الإيرانية بشكل كامل، في ظل استمرار الضغوط الدولية والتشابكات الإقليمية.
وشهد شهر مارس الحالي تطوراً دبلوماسياً لافتاً عندما أعلنت وزارة الخارجية الأذربيجانية سحب طاقمها الدبلوماسي من طهران بشكل مفاجئ، عقب هجوم بطائرات مسيرة استهدف إقليم ناخيتشيفان، وهو جيب أذربيجاني منفصل جغرافياً عن باقي أراضي البلاد، واعتبرت باكو الهجوم تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
من جهتها، سارعت إيران إلى نفي أي صلة لها بالحادث، متهمة الدولة العبرية بالوقوف خلفه بهدف تخريب العلاقات الثنائية بين الجارين، وصرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن تل أبيب تسعى لإشعال التوتر في المنطقة عبر عمليات تضليلية تستهدف تقويض الثقة بين طهران وباكو.
غير أن البعد القومي يظل التحدي الأكثر حساسية في هذه العلاقة. فداخل إيران يعيش ما يقارب 20 مليون مواطن من أصول أذرية، تتركز غالبيتهم في شمال البلاد، وتعد مدينة تبريز مركزاً ثقافياً وسياسياً رئيسياً لهذا المكون. ولذلك تراقب طهران بحذر أي تصاعد في الخطاب القومي الأذري العابر للحدود.
وتخشى المؤسسات الأمنية الإيرانية من أن يؤدي اضطراب البيئة الإقليمية إلى تغذية النزعات الانفصالية داخل هذه المناطق، خاصة مع تداول فكرة "أذربيجان الكبرى"، التي تقوم على توحيد الأذريين عبر الحدود. ويُنظر إلى هذا السيناريو في طهران باعتباره تهديداً جيوسياسياً محتملاً لوحدة البلاد.
في المحصلة، تبقى العلاقة بين إيران وأذربيجان محكومة بتوازنات دقيقة وتعقيدات دولية متشابكة. وبينما تسعى باكو للحفاظ على علاقاتها مع الغرب و الدولة العبرية، تجد طهران نفسها مضطرة للتعامل مع جار يشكل في الوقت ذاته بوابة جغرافية حساسة ومصدراً دائماً للهواجس الأمنية.