البيان/متابعات: عشية اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو، تتكشّف ملامح صراع سياسي وأمني هادئ لكنه عميق، يتمحور حول مستقبل الحرب على غزة وترتيبات ما بعدها. فبينما تسعى واشنطن إلى دفع المرحلة الثانية من خطة ترامب، بما تتضمنه من انسحابات إضافية من قطاع غزة ولبنان، تصرّ القيادة الصهيونية، مدفوعة بتوصيات أجهزتها الأمنية، على وضع خطوط حمراء تمنع أي انسحاب لا يقترن بنزع سلاح حماس وحزب الله وتفكيك بنيتهما العسكرية بالكامل.
التقارير الصادرة عن الصحافة الصهيونية، ولا سيما "يديعوت أحرونوت" و"هآرتس"، تكشف أن مهمة نتنياهو الأساسية في هذا اللقاء ليست انتزاع مكاسب جديدة، بل منع فرض مسار سياسي ترى فيه تل أبيب تهديدًا طويل الأمد لأمنها وقدرتها على الردع. فواشنطن، بحسب هذه التقارير، باتت أكثر إصرارًا على الانتقال إلى المرحلة الثانية في غزة، باعتبارها "الإنجاز الكبير" الذي يريد ترامب تسويقه إقليميًا ودوليًا كدليل على قدرته على إنهاء الحروب لا إدارتها فقط.
في المقابل، يدرك نتنياهو أن أي قبول غير مشروط بهذا المسار قد يضعه أمام مأزق مزدوج، أمني، يتمثل في بقاء حماس ممسكة بالسلطة والسلاح في غرب غزة، وسياسي داخلي، في ظل وضع حكومي هش ومعارضة تتربص بأي تنازل يمكن تصويره كهزيمة استراتيجية. لذلك، تشير التقديرات الصهيونية إلى أن نتنياهو سيحاول تحويل النقاش مع ترامب من "انسحابات وجدول زمني" إلى "مبادئ أمنية"فضفاضة، تضمن له هامش مناورة أوسع وتؤجل الاستحقاقات الميدانية.
هذه "المبادئ الخمسة" التي ينوي نتنياهو طرحها، وفق توصيات أمنية، تعكس جوهر العقيدة الأمنية الصهيونية بعد السابع من أكتوبر، نزع السلاح الكامل لحماس وحزب الله، تدمير البنى العسكرية فوق الأرض وتحتها، منع أي إعادة ترميم للقدرات القتالية، إقامة آليات إنفاذ دولية تضمن ذلك، وأخيرًا الحصول على ضوء أخضر أميركي لحرية عمل عسكري مستقل دون قيود أو تنسيق مسبق. عمليًا، تعني هذه المبادئ إفراغ أي مسار سياسي من مضمونه ما لم يحقق شروط تل أبيب الأمنية القصوى.
في ملف غزة، يظهر التباين بوضوح. فبينما تضغط واشنطن باتجاه انسحابات إضافية، ترى المؤسسة الأمنية الصهيونية أن أي انسحاب قبل نزع سلاح حماس في غرب القطاع هو مغامرة غير مقبولة. هذا التباين لا يعكس خلافًا تكتيكيًا فحسب، بل اختلافًا في الرؤية الاستراتيجية، فواشنطن تبحث عن استقرار نسبي وإدارة أزمة، فيما تسعى تل أبيب إلى حسم أمني كامل، حتى لو أدى ذلك إلى إطالة أمد الصراع.
أما في لبنان، فالصورة لا تقل تعقيدًا. فنتنياهو سيطالب بضمانات أميركية تحول دون أي وجود مسلح لحزب الله جنوب الليطاني، مع الإصرار على حرية عمل عسكرية صهيونية كاملة داخل الأراضي اللبنانية. وتراهن تل أبيب على نفوذ ترامب المالي والسياسي، خصوصًا في ملف إعادة إعمار لبنان، للضغط على الحكومة اللبنانية ودفعها إلى مواجهة حزب الله أو على الأقل القبول بإضعافه. غير أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر، إذ يدرك صناع القرار في واشنطن أن أي زعزعة كبرى في لبنان قد تفتح جبهة جديدة غير مرغوبة.
الملف الإيراني يظل حاضرًا بقوة في خلفية اللقاء. فالأجهزة الاستخباراتية الصهيونية تخشى من أن يسعى ترامب إلى "اتفاق سريع" مع طهران، يحقق له إنجازًا سياسيًا لكنه لا يلبي الشروط الصهيونية الصارمة. لذلك، يضع نتنياهو هدفين أساسيين، منع توقيع "اتفاق سيئ"، أو على الأقل ضمان تنسيق وثيق مع واشنطن في حال فشل الوصول إلى "اتفاق جيد"، بما يفتح الباب أمام خيارات مواجهة أخرى.
في هذا السياق، يلفت محللو "هآرتس" إلى أن ميزان القوة الفعلي على الأرض يميل بشكل متزايد لصالح واشنطن. فالولايات المتحدة، عبر القيادة الوسطى (سنتكوم)، باتت منخرطة بعمق في إدارة التفاصيل الميدانية، من مراقبة المساعدات الإنسانية إلى الضغط لتنفيذ التعهدات الصهيونية. هذا الواقع يعكس تراجع هامش القرار المستقل لتل أبيب، ويجعل أي صدام علني مع ترامب مخاطرة سياسية كبيرة لنتنياهو.
خلاصة المشهد أن لقاء مارالاغو لن يكون مواجهة مباشرة، بل مفاوضات دقيقة على حافة التناقض. ترامب يريد تسريع الانتقال إلى المرحلة الثانية وتقديم نفسه كصانع سلام، فيما يسعى نتنياهو إلى كسب الوقت، وانتزاع تعويضات سياسية وأمنية، أو على الأقل تفادي تحميله مسؤولية إفشال المسار. وبين هذين الهدفين، تبقى غزة ولبنان وإيران ساحات اختبار حقيقية لحدود النفوذ الأميركي، وقدرة القيادة الصهيونية على المناورة في مرحلة تتقلص فيها خيارات القوة الصرفة لصالح ضغوط السياسة والوقائع الدولية.