• - الموافق2026/03/01م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
التقارب الهندي – الإسرائيلي وتداعياته على المنطقة

يشهد العالم تحوّلًا استراتيجيًا لافتًا مع تعمّق التقارب بين الهند وإسرائيل؛ تحالفٌ يتجاوز الاقتصاد والسلاح إلى رؤية أيديولوجية مشتركة تعيد رسم موازين القوى. فهل نحن أمام ولادة محور جديد سيغيّر وجه المنطقة؟


لم يعد التحالف الهندي الإسرائيلي مجرد تقارب سياسي عابر، ولا شراكة اقتصادية طارئة؛ بل بات مشروعًا استراتيجيًا متجذرًا في البنية الأيديولوجية للدولتين، ومتناميًا بوتيرة غير مسبوقة. هذا التحالف الذي بدأ في الظل منذ ستينيات القرن الماضي، خرج اليوم إلى الضوء بكل ثقله العسكري والأمني والتقني والرقمي، لكنه خرج أيضًا بأبعاده الفكرية العميقة التي تجمع الهندوتفا بالصهيونية في رؤية واحدة للهوية والتاريخ والعدو.

ومع زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل، وما رافقها من تصريحات داعمة لتل أبيب بشكل غير مسبوق في تاريخ الهند المستقل، أصبح من الواضح أن الهند تتجه إلى تموضع استراتيجي جديد يتناقض كليًا مع إرثها الدبلوماسي، ويتحدى بصورة مباشرة مصالح العالم العربي الذي يرتبط معها بعلاقات اقتصادية وإنسانية هائلة تفوق بكثير علاقاتها مع إسرائيل. وبناء على هذا الواقع، تبرز اليوم أسئلة ملحّة:

هل تتحول الهند إلى إسرائيل جديدة في الشرق، لكن بقدرات بشرية واقتصادية أكبر بكثير؟ وهل يمكن للمشروع الهندوتفي أن يشكل تهديدًا صامتًا للعالم العربي يفوق في مداه وخطورته المشروع الصهيوني ذاته؟

التحالف القديم

لعقود طويلة، تظاهر الخطاب الدبلوماسي الهندي بدعم القضية الفلسطينية، مستندًا إلى إرث حركة عدم الانحياز وإلى صورة الهند كقوة مناهضة للاستعمار. لكن الوثائق والشهادات التاريخية تكشف أن الهند كانت تسير في طريق آخر مخفي عن الأعين، منذ تأسيس جهاز الاستخبارات الخارجية الهندي (RAW) عام 1968، حين فتحت أنديرا غاندي قناة اتصال سرية مع جهاز الموساد الإسرائيلي.

وقد شمل التعاون بين الطرفين آنذاك تبادلًا للخبرات في مكافحة التمرّد، وأعمال تجسس مشتركة، وتوريدًا خفيًا للأسلحة خلال حروب الهند مع الصين وباكستان، وحتى خلال حرب تحرير بنغلاديش. لم يكن هذا الدعم مجرد معاملات ظرفية، بل تأسيسًا لبنية تعاون أمني وعسكري ستصبح لاحقًا علنية، خصوصًا بعد الدعم الإسرائيلي الحاسم للهند في حرب كارجيل عام 1999.

ومع العقدين الأخيرين، لم تعد العلاقة سرية، بل أصبحت مؤسسية عبر لجان مشتركة وتعاون صناعي عسكري مفتوح، جعل الهند اليوم الممول الأكبر للصناعة العسكرية الإسرائيلية، إذ تمثل ما يقرب من نصف صادرات إسرائيل الدفاعية.

الهندوتفا والصهيونية: تحالف يقوم على فكرة العدو المشترك

إن القوة الحقيقية للتحالف بين الهند وإسرائيل ليست في السلاح ولا التكنولوجيا، بل في التقارب الفكري العميق بين الهندوتفا والصهيونية. كلا المشروعين يقومان على تصور عرقي–ديني حاد للهوية القومية، حيث يتم تعريف "الأمة" عبر معيار ديني صارم، وينظر إلى المسلمين باعتبارهم عنصرًا دخيلًا ومصدر تهديد بنيوي.

الهندوتفا، التي تقود اليوم السياسة الهندية عبر حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) ومنظمة راشتريا سوايامسيفاك سانغ (RSS)، ترى الهند وطنًا للهندوس قبل غيرهم، وتشجع خطابًا يعتبر المسلمين "غزاة" منذ ألف عام. هذا المنطق مطابق تقريبًا للمنطق الصهيوني تجاه الفلسطينيين.

بل إن أحد أهم منظّري الهندوتفا، إم. إس. غولوالكار، لم يتردد في تمجيد السياسات النازية، معتبرًا أنها نموذج يمكن للهندوس الاقتداء به في التعامل مع "الأقليات المزعجة". هذه الخلفية الفكرية هي التي تجعل التقارب مع إسرائيل ليس مجرد خيار سياسي، بل امتدادًا طبيعيًا لرؤية قومية مشتركة.

كل المظاهر التي تمارسها إسرائيل في الضفة الغربية وغزة تجد ما يقابلها اليوم في كشمير بعد إلغاء الحكم الذاتي للولاية عام 2019. فقد تم إدخال سياسات تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية، عبر فتح الباب لمستوطنات هندوسية، وتطبيق عسكرة غير مسبوقة، واستخدام تقنيات مراقبة إسرائيلية مثل برنامج بيغاسوس.

لقد تحولت كشمير إلى "مختبر" لتجربة النموذج الإسرائيلي داخل الهند، وصارت العلاقة بين الأمن الإسرائيلي والهندي علاقة تبادل خبرات في السيطرة على المجتمعات المسلمة، لا مجرد بيع وشراء تكنولوجيا.

الهند كركيزة مالية وعسكرية لإسرائيل

يمول الاقتصاد الهندي اليوم جزءًا كبيرًا من الصناعة العسكرية الإسرائيلية، عبر استيراد أسلحة وتقنيات متطورة، بعضها يُعاد إنتاجه داخل الهند بالتعاون مع شركات إسرائيلية مثل إلبيت. ومن بين المشاريع الأكثر حساسية تصنيع طائرات بدون طيار من طراز هيرميس 900، وهي الطائرات التي ترى غزة نتائجها يوميًا.

كما شهدت السنوات الأخيرة اتساعًا في العمالة الهندية في إسرائيل، خصوصًا بعد توقف دخول العمال الفلسطينيين. الاتفاقيات التي سبق توقيعها لإرسال عشرات الآلاف من العمال تحولت إلى رافعة اقتصادية جديدة لإسرائيل، وإلى وسيلة لإخراج الفلسطينيين من سوق العمل.

الهند أكبر مصدر عالمي للإسلاموفوبيا الإلكترونية

بعد السابع من أكتوبر، ظهرت الجبهة الرقمية الهندية كأكبر قوة عالمية في بث المعلومات المضللة المؤيدة لإسرائيل. آلاف الحسابات الهندية نشرت روايات كاذبة، وهاجمت المسلمين في الهند والعالم، وربطت المقاومة الفلسطينية بوجود المسلمين داخل الهند، في ترويج غير مسبوق لخطاب الكراهية.

وقد أصبحت الهند اليوم مركزًا عالميًا للإسلاموفوبيا الرقمية، في خدمة واضحة للسردية الإسرائيلية وللمشروع الهندوتفي الداخلي.

زيارة مودي الأخيرة لإسرائيل: إعلان تحالف كامل بلا مواربة

في سياق تصاعد هذا التحالف، جاءت زيارة ناريندرا مودي أمس إلى إسرائيل لتكون محطة مفصلية. فمودي، منذ زيارته الأولى في 2017، هو أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل دون أن يعرّج على رام الله، في تجاهل كامل للسلطة الفلسطينية. لكن زيارته الأخيرة كانت أكثر دلالة، إذ جاءت في ظل حرب معلنة على غزة، ووسط اتهامات دولية لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب.

خلال الزيارة، قدّم مودي تصريحات وصفت بأنها الأكثر دعمًا لإسرائيل في تاريخ الدولة الهندية، مؤكّدًا أن "الهند تقف مع إسرائيل في معركتها ضد الإرهاب". هذه الجملة، رغم بساطتها، تحمل في طياتها اعترافًا ضمنيًا بأن المقاومة الفلسطينية "إرهاب"، وأن إسرائيل تمارس "حقها الطبيعي" في الدفاع عن نفسها.

كما تم توقيع اتفاقات جديدة في مجالات الأمن السيبراني والزراعة المتقدمة والصناعات الدفاعية، إضافة إلى تفعيل التعاون في مشاريع الممر الاقتصادي الهنديالشرق الأوسطأوروبا (IMEC)، وهو مشروع يهدف إلى تقليص مكانة قناة السويس وربط الهند بإسرائيل والإمارات وأوروبا عبر شبكة تجارية سريعة.

الهند تعتمد اعتمادًا عميقًا على العالم العربي. فأكثر من 9 ملايين هندي يعملون في دول الخليج، وتحويلاتهم تتجاوز 50 مليار دولار سنويًا. كما تستورد الهند ما يقارب 60% من احتياجاتها النفطية من المنطقة العربية.

لكن زيارة مودي الأخيرة وتصريحاته الحادة، إضافة إلى التعاون العسكري المتصاعد مع إسرائيل، تطرح أسئلة خطيرة حول مستقبل العلاقة العربيةالهندية. فالخطاب الهندوتفي لا يرى العرب شركاء، بل يتعامل معهم بنفس الذهنية التي يتعامل بها مع مسلمي الهند: "الآخر المهدد للأمة".

ومع تحوّل الهند إلى قوة صناعية وعسكرية صاعدة، فإن انحيازها العلني لإسرائيل قد يخلق خطرًا جديدًا على المنطقة، لا سيما أن تحالفها مع تل أبيب ليس تحالفًا تقليديًا، بل شراكة في الأمن والاستخبارات وتقنيات التجسس.

هل تصبح الهند "إسرائيل جديدة" تهدد المنطقة؟

تتشابه الهند مع إسرائيل في عدة مسارات أساسية:

1.       عداء بنيوي للمسلمين يقوم على رؤية أيديولوجية عرقيةدينية.

2.       تسليح وتكنولوجيا متقدمة بفضل التعاون مع الغرب وإسرائيل.

3.       خطاب قومي متشدد يبرر العنف والتمييز.

4.       طموح توسعي جيوسياسي يمتد من المحيط الهندي إلى الشرق الأوسط.

5.       دور متصاعد في الصناعات الأمنية والرقمية الحساسة.

ومع امتلاك الهند كتلة بشرية هائلة وقدرات صناعية متنامية، فإنها قد تتحول إلى تهديد جيوسياسي أكبر بكثير من إسرائيل، خاصة إذا استمرت في دمج الهندوتفا بالصهيونية كنموذج للتعامل مع الإسلام والمسلمين.

إنّ استمرار الهند في دعم إسرائيل، مع تصاعد خطاب الهندوتفا المعادي للإسلام، وارتباطها بمحاور جيوسياسية جديدة ترعاها الولايات المتحدة، يجعلها لاعبًا قد يتجاوز دور إسرائيل التقليدي في تهديد مصالح المنطقة.

وخلاصة القول إن التحالف الهنديالإسرائيلي ليس صدفة ولا مصلحة عابرة، بل امتداد طبيعي لرؤية أيديولوجية وثقافية وأمنية متشابكة. ومع صعود الهندوتفا، واتساع دور الهند في الصناعات الدفاعية والرقمية، وتكثيف تعاونها مع تل أبيب، وتنامي حضورها الاقتصادي في العالم العربي، يصبح من الضروري طرح السؤال بصراحة:

هل ستتمكن الهند من لعب دور "الصديق العربي" و"الحليف الإسرائيلي" في آن واحد؟ هذا السؤال، الذي كان نظريًا قبل سنوات، أصبح اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى

أعلى