• - الموافق2026/02/17م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
جدلية البقاء على الحياد

إلى أيّ حدّ يُمثّل الحياد في قضايا الحقّ والباطل تواطؤًا غير مباشر مع المبطلين، حين يتحوّل الصمت إلى دعمٍ ضمنيّ، ويغدو الامتناع عن النصرة كتمانًا للعلم ومخالفةً لواجب شرعي وأخلاقي يُلزم المؤمن بالقيام للحقّ وعدم التردّد؟


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد:

اعلم -أيها القارئ الكريم- أن القوم أربعة:

1-قوم عرفوا الحق فأظهروه، وهم المؤمنون المُتّقون الذين يرجون رحمة ربّهم ويخافون عذابه.

2-وقوم عرفوا الحقّ فأنكروه، وهم الجاحدون العاطلون والأعداء الذين لا يرضى عنهم الله ولا يفرحون.

3-وقوم ما عرفوا الحق فأنكروه، ولا عرفوا الباطل فأيَّدُوه. فهؤلاء قوم جاهلون وناسٌ غافلون؛ تقودهم الأيدي، وتُسخِّرهم العقول مرَّة لخير وأخرى لشرّ، وتارة لمعروف، وطورًا لمُنكر، وهم قوّة الحق إذا ظهرت رجاله، وحُماة الباطل إذا حضرت أبطاله.

4-وقوم عرفوا الحق وعرفوا الباطل، وعرفوا مصدر كلّ واحد منهما، وأدركوا عاقبة المُحِقّ وعاقبة المُبْطِل، فكان ممّا أدركوه أنّ عاقبة الأوّل الثّواب، وعاقبة الآخر العقاب، وأنّ ممّا كتب الله للمُحقّين الفوز والانتصار، وممّا كتبه للمُبطلين الخيبة والاندحار، هذا هو عِلْمهم بالوجهين -وجه الحقّ ووجه الباطل-، ومُنتهى الإدراك منهم لعقبى الطّائفتين -طائفة المُحقّين وطائفة المُبطلين-؛ فهل كانوا للحقّ فأيّدوه، وعلى الباطل فخذلوه؟ لا. إذن، هل كانوا للباطل على الحقّ؟ لا. فكيف كانوا؟ كانوا على حال لا يرضاها عقل ولا يُقرّها شرع، وهي ما أسمَوهُ «البقاء على الحياد»؛ فما معنى البقاء على الحياد؟ معناه أن لا تَمُدّ يدك للحقّ فتنفعه، ولا تُسلّطها على الباطل فترفعه، وإن شئتَ قلت هو خذلان للحقّ ورضًا بالباطل! أو قُل هو السّكوت المُطْلَق، والـكفّ الشّامل عن قول وفِعْل الخير والشّرّ.

 ومن أسباب «البقاء على الحياد»: ضَعْف نفس صاحبه، وقلَّة ثقته بالله، ومنها تذبذبُه ونفاقه وعدم ثباته على حال.

ومن أسبابه: مُجارَاة النّاس (في عوائدهم وديانتهم وأفراحهم وأتراحهم واحتفالاتهم ومآتمهم)؛ خوفًا من ذهاب دُنيا فانية أو جاه كاذب، أو طمعًا في إقبالهما من جهة ذهابهما.

وما دخل هذا الخوف على هذا البعض من العلماء، والأعيان المُحايدين؛ إلا من طريق الوهم والخيال وقلّة الثّقة بالله ثمّ بأنفسهم! وإلَّا فقد عرفنا كثيرًا من النّاس قاموا بالحقّ دفاعًا عنه وتأييدًا له، ولم يُبالوا بغضب زيد ولا برضا عمرو، وما زادهم ذلك إلّا إكبارًا في النّفوس وإعظامًا في القلوب.

 ورأينا من المُحايدين أكثر من أن نُحصي كيف أصبحوا بعد انتصار الحقّ -ولا بدّ من انتصاره- لا يُقام لهم وزن، ولا يُعْرَف لهم شأن، ولا يُعتَبَرون إلّا كصخور على ضفّتي وادٍ، تُشينُه ولا تُزينُه، فلمّا سالت الأباطح والشّعاب وغمرت الوادي المياه جرفتها فيما جرفت، فذهبت إلى حيث لا يشهدها عيان ولا يذكُرها لسان ولا يتأسّف عليها إنسان. ونبت في مكانها مِن الضّفتين العُشْب والأشجار ذات الأزهار والثمار فتمتّع النّاس بريحها باللّيل وظلها بالنّهار، ذلك مثل القوم المُحايدين الذين لا ينفعون ولا ينتفعون، ومثل القوم العاملين الذين يُفيدون ويستفيدون.

تلك هي الأسباب الطّبيعيّة لـ«البقاء على الحياد»، وتلك هي صفات المُحايدين، فما هي نتائجه ولوازمه؟

أولى نتائجه تكثير سواد المُبطلين عن غير شُعور من صاحبه؛ لأنّ المُبطل يَعتبر أنّ كلّ مَن لم يُعارضه فهو مُؤيِّد له وناصر! وأوّل كلمة يُواجه بها المحقّ: أنت وحدك ومن دون هؤلاء تُعارضني، وتُسمِّي ما أقول وما أعمل باطلًا؟! ولذلك كان اشتباه العلماء الذين يُقرّون البدع والمُنكرات بسُكوتهم عنها وعن صاحبها حُجَّة عند العامّة العمياء والمُبطلين الأدنياء.

 ومن لوازم «البقاء على الحياد»: كتمان العلم وعدم النصح الله ولرسوله ولأئمّة المُسلمين وعامّتهم؛ فمن علم الحقّ ولم يُعلِّمه فقد كتمه، ومَن رآه في حاجة إلى النّصير ولم ينصره فقد خذَله، ومن علم الباطل ولم يكشفه للنّاس، فقد غشّ ولم يَنْصح، ومَن رأى الباطل شوكة ولم يكسرها أو يعمل على كسرها فقد أبقى عليه وشدّ أزره.

 ومن لوازمه: مُخالفة أمر الله ورسوله، فمن أوامر الله أن تكون فينا أمّة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المُنكر، وهذه الأمّة لا تُحَدّ بحدّ ولا تُحصَر بعَدّ، وكما تصدق على الجماعة تصدق على الفرد. ومن أوامر الله: أن نستبق الخيرات بتخيير الوجهات، وأيّ وجهة خير كالانتصار للحقّ؟ فلماذا لا تستبق غيرك فيها أيّها المُحايد؟

ومن أوامره تعالى أن نتّعظ بواحدة: أن نقوم الله مثنى وفُرادى، ثمّ نتفكّر فيما أوحى الله به لرسوله، وننصح لأنفسنا بالاعتراف بالحقّ والإنابة إليه، وبالانتصار لدين الله وتأييده. فما قيمتك في الدّنيا وما حظّك في الآخرة أيّها المُحايد إذا لم تتّعظ بواحدة الله: أن تقوم له مع القائمين وتؤيد دينه مع المُؤيّدين؟

وإذا كُنت أيّها المُحايد تُؤمن بقول الله: ﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٧- ٨]، وقوله: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. فما معنى بقائك على الحياد وعدم إعلانك الحرب على الباطل؟ لا يكون لحالك هذه معنى إلا أن تكون تَخاف أن يُخْلِف الله وعده ويخذل جُنده، وحاشا لله!

وإذا كُنتَ تعلم أنّه ليس من المُسلمين مَن لا يهتمّ لشُؤونهم، وأنّهم يدٌ على مَن سواهم، فبماذا تُسمِّي حيادك؟ هل هو عدم اهتمام بشُؤونهم؟ أم بأنّ يدك ليست يدهم؟

إنّ الحياد خصلة من أقبح الخصال، ولا يلتجئ إليها إلّا ضعفاء القلوب وفاترو العزائم، بل لا يلتجئ إليها إلّا مَن لا إيمان في قلوبهم ولا حُجّة على ألسنتهم؛ فحذارِ أيّها المُسلم الصّادق أن تَعرف الحقّ ولا تنصُره وتعرف الباطل ولا تُنكره، وحذارِ أن تكون من غواة «البقاء على الحياد»؛ فإنّه خذلانٌ للحقّ ورضًا بالباطل.

 

أعلى