البيان/وكالات: تضع الأزمة المتصاعدة حول إيران السياسة الخارجية الروسية أمام اختبار بالغ الحساسية، إذ تجد موسكو نفسها عالقة بين شراكة استراتيجية متنامية مع طهران من جهة، وعلاقة مركبة وطويلة الأمد مع الدولة العبرية من جهة أخرى. الجدل الدائر داخل الأوساط البحثية والإعلامية الروسية، كما تعكسه قراءة الباحث أليكسي بيلكو، لا ينطلق فقط من سؤال: هل إيران حليف لروسيا أم شريك ظرفي؟ بل من إدراك أعمق بأن أي انهيار محتمل لإيران سيحمل تداعيات مباشرة وخطيرة على الأمن القومي الروسي، خصوصًا في فضائه الجنوبي.
من المنظور الروسي، تمثل إيران أكثر من مجرد دولة صديقة أو شريك تكتيكي. فهي حاجز جيوسياسي يفصل روسيا عن فوضى محتملة في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، وعن تمدد نفوذ أمريكي إضافي نحو حدودها الرخوة. وبالتالي، فإن إسقاط النظام الإيراني، إذا تحقق بدعم أمريكي مباشر وباندفاع من الدولة العبرية، سيُعد ضربة استراتيجية لموسكو، ليس فقط لأنه يفقدها شريكًا مهمًا، بل لأنه يفتح المجال أمام إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية على نحو معادٍ لمصالحها.
في المقابل، لا تنظر موسكو إلى علاقتها مع الدولة العبرية باعتبارها علاقة هامشية يمكن التضحية بها بسهولة. فخلال العقدين الماضيين، حافظ الطرفان على قنوات تنسيق مفتوحة، تجلت بوضوح في الساحة السورية، حيث جرى تجنب الصدام المباشر، واحترام خطوط حمراء متبادلة. كما أن الروابط الاقتصادية والاجتماعية، ووجود تأثير ملموس للنخب المرتبطة بالدولة العبرية داخل المشهد الروسي، يجعل خيار القطيعة الكاملة مستبعدًا في المدى المنظور.
أمام هذا التعارض غير المسبوق بين المصالح، يُرجح أن تتبنى موسكو سياسة مزدوجة تقوم على ثلاث ركائز رئيسية. أولها العمل الدبلوماسي المكثف، بالتنسيق مع بكين، للضغط على واشنطن وتل أبيب من أجل منع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة مع إيران. فروسيا تدرك أن قدرتها على الرد العسكري المباشر محدودة ومكلفة، لكنها ترى في العمل السياسي الجماعي أداة أكثر فاعلية لكبح التصعيد. ثانيها تقديم دعم غير مباشر لطهران، يتركز على مساعدة النظام الإيراني في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، سواء عبر التعاون الأمني، أو عبر الدعم الاقتصادي والتقني الذي يقلل من آثار الضغوط والعقوبات. أما الركيزة الثالثة فتتمثل في الإبقاء على قنوات الاتصال مع الدولة العبرية مفتوحة، في محاولة لإدارة الخلاف لا تفجيره، ومنع تحوله إلى صدام شامل يفرض على موسكو اصطفافًا قسريًا.
غير أن هذا السلوك “الرشيد”، وفق توصيف بيلكو، يظل هشًا ومعرضًا للاهتزاز. فالتوازن الذي تحاول موسكو الحفاظ عليه لا يأخذ دائمًا في الحسبان حجم النفوذ الذي تتمتع به الدولة العبرية داخل بعض دوائر صنع القرار الروسية، ولا طبيعة الانقسامات داخل النخبة السياسية نفسها. وفي حال تصاعدت الأزمة إلى مستوى تهديد وجودي لإيران، قد تجد روسيا نفسها أمام لحظة حاسمة تُجبرها على تجاوز الحسابات البراغماتية والدخول في مسار أكثر حدة، حتى لو بدا ذلك متناقضًا مع نهجها التقليدي القائم على إدارة الأزمات لا الانخراط المباشر فيها.
في الخلاصة، ستسعى موسكو في المرحلة المقبلة إلى كسب الوقت ومنع الانفجار الكبير، عبر مزيج من الضغط الدبلوماسي والدعم المحدود لإيران والحفاظ على خيوط التواصل مع الدولة العبرية. إلا أن استمرار التصعيد، أو انتقاله من مستوى التهديد إلى التنفيذ، قد ينسف هذه الموازنة الدقيقة، ويدفع روسيا إلى إعادة تعريف أولوياتها في الشرق الأوسط على نحو أكثر صدامية، بما يجعل الأزمة الإيرانية نقطة تحول حقيقية في سياستها الخارجية.